كمال الدين دميري

155

حياة الحيوان الكبرى

فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها ، وقال : أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن تأتي ، فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه ، فقبض على عنقها وأقبل يقودها ، فتكلمت العجلة بإذن اللَّه تعالى وقالت : أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإن ذلك أهون عليك ، فقال الفتى : إن أمي لم تأمرني بذلك ، ولكن قالت خذ بعنقها . فقالت : وإله بني إسرائيل لو ركبتني لما قدرت علي أبدا ، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله ، وينطلق معك لفعل ، لبرك بأمك . فسار الفتى بها إلى أمه فقالت له : إنك فقير لا مال لك ، ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل ، فانطلق فبع هذه البقرة ، قال : بكم أبيعها ؟ قالت : بثلاثة دنانير ، ولا تبع بغير مشورتي ، وكان ثمن البقرة إذا ذاك ثلاثة دنانير ، فانطلق بها إلى السوق ، فبعث اللَّه إليه ملكا ليري خلقه قدرته ، وليختبر الفتى كيف بره بوالدته ، وكان اللَّه عليما خبيرا ، فقال له الملك : بكم تبيع هذه البقرة ؟ قال : بثلاثة دنانير ، وأشترط عليك رضا والدتي ، فقال له الملك : فإني أعطيك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك ! فقال الفتى : لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضا والدتي ! ثم إن الفتى رجع إلى أمه وأخبرها بالثمن ، فقالت له : ارجع وبعها بستة دنانير ، على رضا مني ، فانطلق بها إلى السوق فأتاه الملك فقال له : استأمرت أمك ؟ فقال له الفتى : إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها ، فقال له الملك : فإني أعطيك اثني عشر دينارا ، على أن لا تستأمرها ، فأبى الفتى ورجع إلى أمه ، فأخبرها بذلك ، فقالت له : إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليجربك ، فإذا أتاك فقل له : أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا ؟ ففعل فقال له الملك : اذهب إلى أمك وقل لها : أمسكي هذه البقرة فإن موسى يشتريها منك لقتيل من بني إسرائيل ، فلا تبيعيها إلا بملء مسكها ذهبا ، أي جلدها دنانير ، فأمسكوها . وقدر اللَّه عز وجل ، على بني إسرائيل ، ذبح تلك البقرة بعينها مكافأة له على بره بأمه ، فضلا منه ورحمة فما زالوا يستوصفون ، حتى وصف لهم تلك البقرة بعينها . واختلف العلماء في لونها فقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما : شديدة الصفرة ، وقال قتادة : لونها صاف ، وقال الحسن البصري : الصفراء السوداء . والأول أصح لأنه لا يقال أسود فاقع ، وإنما يقال أصفر فاقع ، وأسود حالك ، وأحمر قان ، وأخضر ناضر ، وأبيض يقق ، للمبالغة . فلما ذبحوها ، أمرهم اللَّه أن يضربوا القتيل ببعضها ، واختلف في ذلك البعض فقال ابن عباس وجمهور المفسرين : ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقبل . وقال مجاهد وسعيد بن جبير : بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق . وقال الضحاك : بلسانها لأنه آلة الكلام ، وقال عكرمة والكلبي : بفخذها الأيمن . وقيل : بعضو منها لا بعينه ففعلوا ذلك ، فقام القتيل حيا بإذن اللَّه تعالى ، وأوداجه تشخب دما وقال : قتلني فلان ، ثم سقط ومات مكانه ، فحرم قاتله الميراث ، وفي الخبر ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة واسم القتيل عاميل . قاله البغوي وغيره . قال الزمخشري وغيره : روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة ، فأتى بها الغيضة ، وقال : اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر ، فكبر الولد وكان بارا بأمه ، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه ، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء جلدها ذهبا . وكانت البقرة إذ ذاك